افتتاحية العدد الثاني

 

إذا كان لكل دين خصوصية موضوعية، تنبع من إرادة إلهية في التوحيد، وتؤطر لمصلحة العباد في الشريعة، وتقيم العدل  في المعاملات، فإن للإسلام بوصفه آخر رسالة سماوية، خصوصية حضارية، فهو دين الوسطية بين رهبانية المسيحية، ومادية اليهودية، وهو بهذا دين الفطرة  الإنسانية الموازية لدرجة الرقي العقلي التي ارتقت إليها الإنسانية، وهو كذلك منعطف تاريخي، أسس لمرحلة إنسانية جديدة، وأرسى قواعد التاريخ الإنساني  المنبعث عن  قدرة الخالق ـ جلَّ  وعلاـ بما يكفل لبني آدم نصيبهم من الحياة الدنيا، ويحقق ثوابهم العادل في الحياة الآخرة.

خصوصية الإسلام تلك جعلته حضارة، بمعنى تفرده عن الأديان الأخرى  بتقديم نموذج إنساني كامل، وتميّزه منها بالإجابة عن أسئلة العقل عن الوجود والطبيعة وما وراءها، فتأسس مصطلح  (الأمة)، وشرع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بناء الصرح الحضاري منذ أوائل الوحي (اقرأ)، وكان تأسيساً معرفياً جديداً، نقل الناس من ظلمات الجهل والشرك، إلى نور المعرفة والإيمان.

في العصر الحديث اختلفت اتجاهات تفسير الإسلام  وتعددت قراءاته، ومن أسباب ذلك:

q  حصيلة هبوط القوة العملية (للأمة)، مما جعلها تنكمش على ذاتها، تستخرج منها قوة معنوية موازية مضادة للقوة الضاغطة المتمثلة في الآخر (الغرب والقوى المعادية الأخرى).

q  مقاربة الواقع مقاربة طوباوية، لا تنطلق منه، ولا ترجع إليه، بل تحاول صياغته بمنطق الخوارق والغرائب، وقد فاتها أن وقت المعجزات انتهى بتمام نزول القرآن الكريم.، وما على المسلمين إلا أن يعملوا ويسعوا ويستعدوا لتبوّء المكانة اللائقة بهم.

وعلى الرغم من وضوح الإسلام، ويسره وسماحته، فإن هناك من يريد أن يشدّ الإسلام إلى هواه، فيقاربه بضيق النظرة، فيجعل منه ديناً جامداً منغلقاً، لا يقوى على مسايرة الزمن، ولا يراعي متغيرات الحياة، وهناك من يجعل منه ديناً دموياً عدوانياً، يفتك بالناس، وقد نزل رحمة بهم، فيقدّم مسوغات ظلم الإسلام، أو مسوغات الجهل بحقيقته التي تدعو إلى المعاملة بالحسنى  واللين والرفق، والإسلام إذ يرفض الجمود والانغلاق، يرفض القتل والعدوان، وإذ يدعو الناس إلى توحيد الله تعالى، يدعوهم إلى وحدة الجماعة والتكافل، وإذ يحبّذ إليهم الحياة الآخرة، ينبههم على نعم الله تعالى في الحياة الدنيا، وتطرد المعادلة في كل مفاصل الوجود، ذلك لأنه دين الاعتدال والوسطية.

من هنا انطلقت دعوة الجامعة الأسمرية التي وجهتها من خلال ندوة (الإسلام ينبذ التطرف)، وأطّرتها بشعار طموح هو (من أجل بناء مجتمع إسلامي حضاري)، فكانت إجابة الباحثين  أفكاراً ثرية، وحضوراً فاعلاً، اكتظت به الجلسات العلمية، لتشرك الحاضرين ضيوفاً وأساتذة وطلبة في جو علمي، كثيراً ما جاوز الوقت المحدد له، لاسيما أن البحوث  رصدت الظاهرة، وشخصت الخلل، وقدمت العلاج، ولم تقتصر على محور واحد بل غطت جميع المحاور، فكانت الندوة محفلاً للتاريخ والفقه، وعلم النفس واللغة، والقانون والشريعة، تتقاطع فيها مستويات الظاهرة والعلاج، والأسباب والنتائج.

ولا نريد استعراض البحوث، فنحرم القارئ من متعة الاكتشاف، اكتشاف جهود الباحثين الذين أسهموا في إنجاح هذه الندوة، وقد بلغت ستة عشر بحثاً، تناولت ظاهرة التطرف من مختلف الجوانب، استغرقت خمس جلسات علمية، أعقبت كل جلسة مناقشات ومداخلات، أغنت جو الجلسات، وأشارت إلى التفاعل الفكري الحميم بين الباحثين والحاضرين، مما جعل لأعمال الندوة صدى طيباً بين الجماهير، فكانت القاعة تكتظ بوجودهم، وهم يتابعون الأفكار المطروحة، ويستلهمون معاني السماحة والاعتدال والانفتاح من  روح الإسلام  الذي أشاد الحضارة التي يعتزون بالانتماء إليها، وكانت أروقة الجامعة تشهد، بعد انتهاء الجلسات، حوارات متواصلة بأسباب الظاهرة، وبطرق التعامل معها.

 لقد أدركت هيئة تحرير مجلة الجامعة الأسمرية طبيعة المهمات المناطة بالجامعة، بوصفها منارة علمية إسلامية، وضع حجر أساسها قائد ثورة الفاتح العظيم، العقيد معمر القذافي، فبادرت إلى جمع بحوث الندوة، وتقديمها للقارئ في عدد خاص، استكمالاً للجهود الخيّرة التي بُذلت من أجل إنجاح الندوة، وتحقيق الأهداف المرجوة من إقامتها، واستمراراً في  إيصال نشاط الجامعة إلى الجماهير،  لتأدية دورها فاعلاً في تقديم علوم الدين الحنيف صافية حقيقية، وفي مواصلة البحث العلمي.

والله الموفق

 التحرير

 

 

 

الصفحة الرئيسية