عن الأسمرية

عن الأسمرية

في رحاب زاوية الشيخ عبد السلام الأسمر  بزليتن، كان ميلاد الجامعة الأسمرية الإسلامية. إن مكان الميلاد هذا لم يكن اعتباطا أو وليد الصدفة، وإنما هو تقدير للدور الحضاري والعلمي الذي قامت به هذه الزاوية في مجتمعنا الليبي، فمنذ ما يزيد عن خمسة قرون، وتحديداً في العقد الثاني من القرن العاشر الهجري (912 هـ ـ 1506 م)، وضع العارف بالله الشيخ عبد السلام الأسمر لبناته الأولى في صرح زاويته.

وكان الباعث على ابتنائه هذه الزاوية جهادياً تعليمياً، ففي أوائل هذا القرن الذي شهد ميلاد هذه الزاوية، وقبله بسنوات عدة ، شهدت طرابلس الغرب أحداثاً جساماً، كان لها بالغ الأثر في شتى مناحي الحياة، من هذه الأحداث انفصالها عن دولة بني حفص بتونس، وتشكيلها حكماً ذاتياً خاصاً بها على رأسه شيخٌ من شيوخها. غير أنه لم يمض على هذا الوضع سوى عقد واحد من الزمن، حتى أخذت بعض القوى المحلية، ممن كان بيدهم عصب الحياة الاقتصادية بالمدينة في التآمر على حياة هذا الشيخ، وقد استطاعت بالفعل أن تجعل لها حداً، وأن تأتي بشيخ آخر تبعه آخر وآخر، وهكذا اضطربت الأمور.

وفي خضم هذه الأحداث تعالت صيحات بعض قوى الغرب المتعصبة للمسيحية تنادي بضرورة احتلال طرابلس وغيرها من مدن الشمال الإفريقي، واتخاذ هذه المدن قواعد لمواجهة التوسع الإسلامي، الذي تولى الأتراك العثمانيون قيادته وتوجيهه، الأمر الذي أوجب على ذوي البصر أن يقوموا بدورهم كاملاً حيال مجتمعهم وما يدبر له.

وكان من ذوي البصر هؤلاء، الشيخ عبد السلام الأسمر الذي رأى أن وسيلته في ذلك هي الاتصال المباشر بأفراد المجتمع، فالاتصال المباشر وحده هو الذي يعين على إشعال الجذوة الروحية بينهم،ثم تبصيرهم بما يدور حولهم، ويستهدفهم في عقيدتهم ولغتهم ووطنهم،وحتى يتسنى له ذلك،  وبصورة أكثر جدوى وفاعلية، رأى لزاماً عليه أن يقوم بابتناء زاوية، تجمع بين العلم والتصوف، وتقدم كل الخدمات الاجتماعية التي يحتاجها المجتمع.

وقد وقع اختياره على مدينة زليتن؛ لتكون مهداً لهذه الزاوية، نظراً لما تتمتع به من احترام في قلوب كثير من الليبيين، هذا الاحترام مبعثه ما وصفت به من أنها مأوى الصالحين وروضة العابدين، وما ضمته جنباتها من عشرات القباب، والأضرحة التي ابتنيت على قبور المرابطين في سبيل الدفاع عن الإسلام والمسلمين.

وهكذا أصبحت زاوية الأسمر حقيقة واقعة، كما أرادها وتصورها مؤسسها جامعة علمية ـ  إن جاز هذا التعبير ـ تكمل ذلك الفراغ الملموس في سلسلة الجامعات الإسلامية المنتشرة، على طول الشمال الإفريقي، بدءاً بجامع القرويين بفاس، ومروراً بجامع الزيتونة،بتونس وانتهاء بالجامع الأزهر بمصر، وروضة من رياض الذكر، وموقعاً من مواقع الجهاد،  يستنهض الهمم، وينبه إلى مكامن الخطر.

ثم توالت الأحداث ووقعت طرابلس الغرب فريسة سهلة للاستعمار الإسباني سنة 1510م، ومن بعده لفرسان القديس يوحنا النصراني،  وأخيراً تحررها و انضمامها إلى دولة الخلافة العثمانية، وفي خضم هذه الأحداث جميعها قامت زاوية الأسمر بدورها خير قيام، فكانت خير رافد لثوار تاجورة ـ  الذين جعلوا من مستعمري طرابلس الأسبان أولاً، وفرسان القديس يوحنا ثانياً حبيسي أسوارها، لا يتقدمون قيد أنمله مدة بقائهم فيها ـ تمدهم بما يحتاجونه من رجال ومال، كما أصبحت ملاذاً، وموئلاً لطلاب العلم والمعرفــة، يؤمونها من داخل ليبيا وخارجها، يتحلّقون حول شيوخها وينهلون من علومهم ومعارفهم، كما ينهلون أيضاً من معين مكتبتها العلمية، التي احتوت على عيون المخطوطات، ونوادر الموضوعات، ونفائس العلوم.

في منتصف الخمسينات من القرن الماضي، أُنشئ (المعهد الديني الأكبر)، وعمل جاهداً على استقطاب طلاب العلم من كل الزوايا، والمعاهد في طول البلاد وعرضها، الأمر الذي انعكس سلباً على زاوية الأسمر وغيرها من الزوايا، فانفض معظم طلابها عنها، وأصبحت خاوية على عروشها، تندب دهراً تولى ومجداً مضى، ثم جُعلت معاهد متوسطة تابعة للمعهد المذكور.

ومضى ذلك العهد، فردت لزاوية الأسمر اعتبارها، وذلك بأن جعلت منها جامعة إسلامية، تضاهي كبريات الجامعات الإسلامية، ففي يوم الجمعة 24 رمضان 1404 و.ر الموافق 24/2/1995 ف تم بعثها من جديد حتى تعود إلى سابق عهدها، وتستأنف دورها العلمي والتعبوي، ومن هنا كانت الجامعة الأسمرية الإسلامية امتداداً علمياً وحضارياً لدور زاوية الشيخ عبد السلام الأسمر الفيتوري التي أسهمت خلال خمسة قرون من الزمن، في بناء صرح العلم والمعرفة، وتبديد ظلام الجهل والتخلف في ربوع ليبيا، وفي أرجاء متعددة من العالم الإسلامي، ونتيجة لحركة النمو والتطور التي تشهدها ليبيا، تطورت هذه الزاوية إلى جامعة إسلامية لها شخصيتها الاعتبارية في المجتمع الإسلامي.[1]

وتقع الجامعة الأسمرية في مدينة زليتن، إحدى المدن الساحلية المهمة في ليبيا، تربض مدينة زليتن على الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط ، فيلتقي نسيمه عندها بعًبًق الزيتون والكروم والنخيل، تحتضن أصالة الماضي وعراقته، فيمتدّ فيها الحاضر، بناءَ مفتوحاَ، وإنساناَ مبدعاَ متطلعاَ إلى مستقبل أزهى. يطالعها البحر الأبيض المتوسط من الشمال بساحل يُقدّر بأكثر من (50) كم، وتجاورها من الشرق مدينة مصراتة، وتمتدّ جنوباً بعمق (60) كم إلى منطقة بني وليد، وتبعد عن مدينة طرابلس غرباَ بـ (158) كم، وتبلغ مساحتها حوالي (2470) كم‌2.

أرضها خصبة، ومياهها كثيرة، تشتهر منذ القدم بزراعة النخيل والزيتون، والمحاصيل الزراعية المختلفة , التي تفيض عن حاجة  سكّانها، وقد أشار المؤرخ هيرودوتس، حين وصف المنطقة القريبة من وادي كعام، إلى أنها كثيرة الإنتاج، وأن تربتها سوداء، تُسقى بالينابيع  ومياه الأمطار الوفيرة، و لا تخشى الجفاف، أما إنتاجها من القمح فإنه يفوق إنتاج أرض بابل، وينافس إنتاج آسيا وأوربا.

تشير الآثار (الأحجار، وقواعد الأعمدة الرخامية، واللُقى الأثرية) الفينيقية والإغريقية والرومانية التي تظهر في أطراف المدينة وساحلها إلى قدم استيطانها، وتذكر بعض المصادر أنها أنشئت على أنقاض مدينة (سيسترنائي) الرومانية، وما زالت تحتفظ، في طرفها الشمالي قرب ساحل البحر، بأحد أكبر القصور الرومانية     (دار بوك عميرة)، حيث الأرضيات الفسيفسائية والرسوم الجدارية.

ويتميز موقع زليتن جغرافياً بأهمية اقتصادية كبيرة ، إذ تقع على الطريق الساحلي، طريق القوافل الرئيس الذي يربط مدينة الإسكندرية بمدن المغرب العربي، وهو طريق الحج القديم، أرّخ لها من العرب الرحّالة الحسن بن محمد الوزان المعروف بليون الأفريقي (ت بعد 957 هـ) وقال: إنها تشتهر بزراعة النخيل، وإن أهلها أصحاب تجارة مع المصريين والصقليين. وقد ازدادت أهميتها حديثاَ، من خلال شبكة الطرق التي تربطها بالريف ومختلف المناطق المجاورة، فضلاَ عن كونها تحتوي ميناءَ بحرياَ يستقبل البضائع التجارية والزراعية.

وكان للعامل الديني أثرٌ بارز في تطور واقع المدينة ومخططاتها، فكثرة الزوايا التي يقصدها طلاب العلم، وتعدد الأضرحة التي يأتيها الناس من جميع أنحاء البلاد وخارجها، ومن أشهرها مقام الشيخ عبد السلام الأسمر الفيتوري، شجّع على الاستقرار، والعمل في التجارة والزراعة، وأسهم في نمو المدينة وتوسعها حيث شُيّدت المساجد والفنادق، وأقيمت الأسواق خدمة للزوار والمسافرين. وقد تطورت المدينة كذلك، بفعل النمو الطبيعي لعدد سكانها، ورافق ذلك توسّع الأعمال التجارية فيها، وامتداد العمران إلى أطرافها، فغدت مدينة حديثة، تشتمل على الخدمات اللائقة بإرثها الحضاري العريق.

إعلان

إعلان

الجامعة الاسمرية الاسلامية - كلية العلوم ز زليتن مؤتمر حول مدى مؤامة مفردات مناهج الثانوية العامة مناهج التعليم الجامعي في مادة الرياضيات